الغزالي
89
الأربعين في اصول الدين
يعرف أنها منزل من منازل السائرين إلى اللّه عز وجل ، وهي كرباط « 1 » بني على قارعة الطريق ، أعد فيها العلف والزاد وأسباب السفر . فمن تزود منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة التي ذكرناها في المطعم والملبس والمنكح وسائر الضرورات ، فقد حرث وبذر ، وسيحصد في الآخرة ما زرع . ومن عرج عليها واشتغل بلذاتها هلك . ومثل الخلق فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة ، فأمرهم الملّاح بالخروج لقضاء الحاجة ، وخوّفهم المقام واستعجال السفينة فتفرقوا فيها ، فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكانا خاليا واسعا ، ووقف بعضهم فنظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وظرائف أحجارها وعجائب غياضها ونغمات طيورها ، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا حرجا ، وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها فلم تسمح نفسه إلا بأن يستصحب شيئا منها ، فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا . وزادته الحجارة ثقلا وضيقا ، فلم يقدر على رميها ولم يجد لها مكانا ، فحملها على عنقه وهو ينوء بأعبائها . وتولج بعضهم الغياض ونسي المركب واشتغل بالتفرج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار وهو في تفرجه غير خال من خوف السباع والحذر من السقطات والنكبات ، فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها فبقي على الساحل ، فافترسته السباع ومزقته الهوامّ . فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا والآخرة ، فتأملها واستخرج وجه الموازنة فيها إن كنت ذا بصيرة . [ فصل في ان من عرف نفسه ، وعرف ربه عرف وجه عداوة الدنيا للآخرة ] من عرف نفسه ، وعرف ربه ، وعرف زينة الدنيا وعرف الآخرة ، شاهد بنور البصيرة وجه عداوة الدنيا للآخرة ، إذ ينكشف له قطعا أن لا سعادة في الآخرة إلا لمن قدم على اللّه سبحانه عارفا به محبّا له ؛ فإن المحبة لا تناله إلا بدوام الذّكر ، وإن المعرفة لا تنال إلا بدوام الطلب والفكر ، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا . ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير اللّه تعالى ؛ ففراغ القلب عن غير اللّه ضرورة اشتغاله بحب اللّه تعالى ومعرفته . ولن يتصور ذلك إلا لمعرض عن الدنيا ، قانع منها بقدر الزاد والضرورة . فإن كنت من أهل البصيرة فقد صرت من أهل الذوق والمشاهدة ؛ وإن لم تكن كذلك ، فكن من أهل التقليد والإيمان ، وانظر إلى
--> ( 1 ) الرباط : المكان الذي تربط فيه الخيل ، أو هو الحصن .